البغدادي

340

خزانة الأدب ولب لباب لسان العرب

باللعنة . وسمّى ابن أبي الإصبع هذا النوع في « تحرير التحبير » التوليد وقال : التوليد على ضربين : من الألفاظ ، ومن المعاني : فالذي من الألفاظ هو أن يزوّج المتكلم كلمة من لفظه إلى كلمة من غيره فيتولّد بينهما كلام يناقض غرض صاحب الكلمة الأجنبية ، وذلك في الألفاظ المفردة دون الجمل المؤتلفة ، ومثاله ما حكي أن مصعب بن الزّبير وسم خيله بلفظة « عدّة » فلما قتل وصارت إلى العراق رآها الحجّاج فوسم بعد لفظة عدّة لفظة « الفرار » « 1 » فتولّد بين اللفظتين غير ما أراده مصعب . ومن توليد الألفاظ توليد المعنى من تزويج الجمل المفيدة ، ومن لطيف التوليد قول بعض العجم : ( الوافر ) كأنّ عذاره في الخدّ لام * ومبسمه الشّهيّ الطّعم صاد وطرّة شعره ليل بهيم * فلا عجب إذا سرق الرّقاد فإنّ هذا الشاعر ولّد من تشبيه العذار باللام وتشبيه الفم بالصاد لفظة « لص » ، وولد من معناها ومعنى تشبيه الطرة بالليل ذكر « سرقة النوم » ، فجعل في هذا البيت توليدا وإدماجا . وهذا من أغرب ما سمعت . ومثاله ما حكي أن أبا تمّام أنشد أبا دلف : * على مثلها من أربع وملاعب * فقال بعض من أراد نكتة « 2 » : « لَعْنَةُ اللَّهِ وَالْمَلائِكَةِ وَالنَّاسِ أَجْمَعِينَ » ، فولّد من الكلامين كلاما ينافي غرض أبي تمام من وجهين : أحدهما خروج الكلام عن التشبيب إلى الهجاء بسبب ما انضمّ إليه من الدعاء . والثاني خروج الكلام عن أن يكون بيتا من شعر إلى أن صار قطعة من نثر . ومن هذا الضرب قول الشاعر : ( الطويل ) ألوم زيادا في ركاكة عقله * وفي قوله أيّ الرّجال المهذّب « 3 » وهل يحسن التّهذيب منك خلائقا * أرقّ من الماء الزلال وأطيب !

--> ( 1 ) في حاشية الطبعة السلفية 1 / 316 : « في « ش » : الغرار بالغين المعجمة وشدة على الراء » . وهو تحريف . ( 2 ) في حاشية الطبعة السلفية 1 / 316 : « في هامش الشنقيطية « نكايته » . والتصويب من تحرير التحبير . ( 3 ) زياد ، هو زياد بن معاوية ، النابغة الذبياني ، والعجز إشارة تضمينية لقول النابغة الذبياني : ولست بمستبق أخا لا تلمه * على شعث أيّ الرجال المهذب